أحمد بن محمد المقري التلمساني

340

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أفضل من لقي من أجواد تلك الحلبة ، فقال : يا ابن أخي ، لم يقدر أن يقضى لي الاصطحاب « 1 » بهم ، في شباب أمرهم ، وعنفوان رغبتهم في المكارم ، ولكن اجتمعت بهم وأمرهم قد هرم ، وساءت بتغير الأحوال ظنونهم ، وملّوا الشكر ، وضجروا من المروءة ، وشغلتهم المحن والفتن ، فلم يبق فيهم فضل للإفضال وكانوا كما قال أبو الطيب : [ البسيط ] أتى الزمان بنوه في شبيبته * فسرّهم وأتيناه على الهرم [ من كرم الوزير أبي بكر بن عبد العزيز وكرم المعتمد بن عباد ] فإن يكن أتاه على الهرم فإنّا أتيناه وهو في سياق الموت ، ثم قال : ومع هذا فإن الوزير أبا بكر بن عبد العزيز - رحمه اللّه تعالى - ! كان يحمّل نفسه ما لا يحمله الزمان ، ويبسم في موضع القطوب ، ويظهر الرضا في حال الغضب ، ويجهد ألّا ينصرف عنه أحد غير راض ، فإن لم يستطع الفعل عوّض عنه القول . قلت له : فالمعتمد بن عباد كيف رأيته ؟ فقال : قصدته وهو مع أمير المؤمنين « 2 » يوسف بن تاشفين في غزوته للنصارى المشهورة ، فرفعت له قصيدة منها : [ البسيط ] لا روّع اللّه سربا في رحابهم * وإن رموني بترويع وإبعاد « 3 » ولا سقاهم على ما كان من عطش * إلّا ببعض ندى كفّ ابن عباد ذي المكرمات التي ما زلت تسمعها * أنس المقيم وفي الأسفار كالزاد يا ليت شعري ما ذا يرتضيه لمن * ناداه يا موئلي في جحفل النادي فلما انتهيت إلى هذا البيت قال : أما أرتضيه لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه ، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان ، وأمر خادما له فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن ، فإني انصرفت به إلى المرية ، وكان يعجبني سكناها والتجارة بها ، لكونها مينا لمراكب التجار من مسلم وكافر ، فتجرت فيها فكان إبقاء ماء وجهي على يديه ، رحمة اللّه تعالى عليه ! ثم أخذ البطاقة وجعل يجيل النظر والفكر في القصيدة ، وأنا مترقّب لنقده ، لكونه في هذا الشأن من أئمته ، وكثيرا ما كان الشعراء يتحامونه لذلك إلّا من عرف من نفسه التبريز ، ووثق بها ، إلى أن انتهى إلى قولي : [ البسيط ] ولا سقاهم على ما كان من عطش * إلّا ببعض ندى كفّ ابن عبّاد

--> ( 1 ) في ب ، ه : « الاستمطار لهم » . ( 2 ) في ب ، ه : « أمير المسلمين » . ( 3 ) في ه : « لا روح اللّه سربا » محرفا . والصواب ما أثبتناه من أ ، ب .